Friday, December 15, 2006

جوليا بطرس .. وقناة إسرائيل العاشرة

صورة من الفيديو كليب


أحبّائي..

إستمعتُ إلى رسالتِكم وفيها العِزُّ والإيمان

فأنتم مِثلما قُلتُمْ رجالُ اللهِ في المَيدان

ووعدٌ صادقٌ أنتُم وأنتُم نصرُنا الآتي

وأنتم من جبالِ الشمسِ عاتيةٌ على العاتي

بِكُم يتحرّر الأسرى بِكُم تتحرَّرُ الأرضُ

بقبضتِكم بغضبتِكم يُصان البيت والعِرضُ

بُناةُُ حضارةٍ أنتم وأنتم نهضةُ القيمِ

وأنتم خالدون كما خلودُ الأرز في القِممِ

وأنتم مجدُ أمَّتِنا وأنتم أنتمُ القادة

وتاجُ رؤوسِنا أنتم وأنتم أنتُم السادة

أحبّائي..

أقبِّلُ نُبْلَ أقدامٍ بها يتشرَّفُ الشَّرفُ

بِعزّةِ أرضِنا انغرسَتْ فلا تكبو وترتجفُ

بِكُم سنغيِّرُ الدُّنيا ويَسمعُ صوتَنا القدرُ

بِكُم نبني الغدَ الأحلى بِكُم نمضي وننتصرُ
* * * * *

كلمات تمت بالاشتراك مع الشاعر غسان مطر والملحن زياد بطرس من رسالة السيد حسن نصر الله للمقاومين على الجبهة في الحرب الأخيرة على لبنان. كانت هذه كلمات العمل الفني الذي قامت به الفنانة الملتزمة جوليا بطرس فور عودتها من دبي بعد الحرب الأخيرة. الفيديو كليب قامت بتصويره في بنت جبيل بين الركام وعلى الاطلال. لم تكن نبرة جوليا نبرة امراة انهزمت, رغم فظاعة الدمار الذي تصوره في كليبها, وانما كانت نبرتها نبرة امل وتفاؤل, نبرة قوة وعزم وارادة.

ليس غريبا على فنانة ملتزمة وقديرة, بحجم جوليا بطرس ان تقوم بعمل رائه تجاه وطنها, فهي فنانة قديرة, غنت من قبل للاقصى في انتفاضة الاقصى, كما انها تواصلت مع الفن والغناء الوطني الملتزم, ولم تكن بعيدة في غنائها العادي عن الخط الوطني. وليس غريبا ان تقتبس مغنية مسيحية كلمات لشيخ مسلم ألا وهو حسن نصر الله, فهي نهجت النهج الوطني, كما هو نصر الله, فلم ينظر احد منهم الى القضية باسرها قضية طائفية, وانما نظروا لها نظرة وطنية, فجوليا قامت بالغناء من واجبها الوطني وليس اكثر. لكن الغريب في الامر هو ان شركة كبيرة وهي بالاحرى الشركة الموسيقية الاكبر في العالم العربي, من ان ترعى هذه الاغنية, حيث ان جوليا صرحت بنفسها حول هذا الموضوع ملمحة الى ان روتانا لم تاخذ العمل بشكل جدي, لذلك كان على جوليا ان تتصرف بنفسها في توزيع الاغنية.

كلمات رائعة, الهمت كل من سمعها بروح حسن نصر الله وصوت جوليا بطرس الذي يعبر عن الوطنية الصريحة والفن الراقي, وهذه شهادة يسجلها التاريخ لصالح جوليا, وهذه جزء من الرسالة التي هي فرض على الفنان والمبدع, فالوطن هو جزء لا يتجزأ من الرسالة الفنية. وها هي جوليا تبدع وتعطي صوتها للمقاومة والوطن والجيل القادم, وهي رسالة ان قرأت وفهمت, فانها رسالة خالدة, تعبر عن انتصار الحق على الباطل, واندحار الزيف عن الحقيقة, وان النصر الساحق قادم. وعلى الرغم من ان هذا العمل قامت به جوليا قبل اكثر من شهر الا انني سمعتها مؤخرا وشاهدت الفيديو كليب على القناة العاشرة الاسرائيلية, حيث كان الموضوع هو ان نصر الله بدأ يجمع حوله الفنانين اللبنانيين, ومنهم جوليا بطرس رغم انها غير مسلمة. وهذا يدل على ان الاعلام العربي – باستثناء الجزيرة – قد اوضح صورته في عدم اظهار التاييد للمقاومة رغم ان فنانة مهمة مثل جوليا, تغني للمقاومة, فشكرا لجوليا والقناة الإسرائيلية العاشرة التي منحت مشاهديها هذا الفيديو كليب خلافا للقنوات العربية التي كانت تغني على نغمات المدافع والقاذفات الاسرائيلية.

Friday, December 08, 2006

تصريحات حسني .. وتعديلات مبارك

دافنينو سوا


مع وتيرة التصريحات التي أدلى بها وزير الثقافة المصري فاروق حسني, كانت اللحظة المرتقبة على أبوب التنفيذ. كانت وما زالت تلك اللحظة تختبئ في تصريحات فاروق حسني رغم ان التصريحات لازمت الشعب المصري والعربي والإسلامي بشكل عام منذ سنوات عديدة. إلا أن هذه المرة كانت مختلفة, ففي أحلك اللحظات التي يمر بها الشعب المصري إثر فضائح التحرشات الجنسية الجماعية, يأتي وزير الثقافة المصري, فاروق حسني ليفجر قنبلة من العيار الثقيل, مست كل مواطن مصري وعربي ومسلم.

كانت كلمات فاروق, تبرئ وجهة نظره, بل الأحرى عن رأيه حول الحجاب الذي نعته بالسبب وراء تخلف المرأة المصرية التي تخلفت للوراء مئات السنين بسببه. وعلى الرغم من أن هذه التصريحات جاءت من شخص وتعبر عن رأيه, إلا أنها بدت كتيار سياسي جديد, هدفه إشعال فتنة ما في وقت عصيب تمر به مصر والعالم العربي. كانت تصريحاته أشبه بالتحريض على المحجبات حيث ضرب مثالا بزوجته التي لم يتزوجها بعد, وقال أنه سوف لن يسمح لها بإرتداء الحجاب.

ذلك المثال أمر مؤسف بحد ذاته, لأنه يدل على سطحية التفكير لدى الوزير, فالأمر يعتبر بحد ذاته تناقضا واضحا حيث أنه لم يبقي مجالا للشك بأنه سطحي ومتخلف. كيف له أن يدعي الحرية في كل شيء وهو في ذات الوقت يكبح حرية التعبير لدى "زوجته" بمنعها من إرتداء الحجاب. وعليه فإني أرى أن تصريحات حسني لم تكن مجرد نقد للحجاب, بل هي تغطية لأمر أدهي, وهي أي تصريحاته جاءت كغطاء ما, لأمر لا يراد التحدث عنه, فقام بأخذ خطوة كهذه والتهجم على الحجاب ليثير التساؤلات وليوجه الأقلام ضده وليوجه الرأي العام ضده.

في ذلك الوقت الذي كان فاروق حسني يمسك بدراع "الحرية" والظهور على الفضائيات ليبرر تصريحاته التي أدلى بها حول تخلف المرأة بسبب الحجاب. وفي الوقت الذي كان يجمع ويجند فيه أصواتا من زمرته ومن أشكاله, من طبقة الفنانين, ومن بينهم حسين فهمي الذي إنفتح كنافورة ماء ذات يوم عبر محطة المحور, وساند حسني فاروق في تصريحاته, ومن ثم جاء بعد يومين الى المحطة نادما آسفا حيث أنه إعترف أن إبنته محجبة, وكان وجهه كأسفل نعلي لا يوصف بالكلمات. في ذلك الوقت كان الرئيس محمد حسني مبارك يعد العدة ويجهز نفسه, بعد أن إنتهى من إعداد التعديلات الدستورية التي بقي أن يوافق عليها بالإجماع فقط.

هي لعبة سياسية محبوكة ومدبرة جيدا, فما المغزى من التوقيت المثير للدهشة. في السادس عشر من نوفمبر قام وزير الثقافة فاروق حسني بالإدلاء بتصريحاته, حيث أنه كان يوم خميس وهو يوم لذيذ لدى الشيوخ والخطباء الذين يحبون التحدث عن مواضيع كهذه في خطب الجمعة, وتقليب الرأي العام. بعد 72 ساعة فقط, وعندما عرف كل مواطن مصري بخبر الحجاب وفاروق, أعلن الرئيس حسني مبارك عن رزمة التعديلات الدستورية التي سيقوم بها وكان ذلك يوم سبت التاسع عشر من نوفمبر. ثلاثة أيام يستطيع أن يجند فيها رأيا عاما وأن يثير فتنة كبيرة والأهم أنه يستطيع أن يصنع ذلك الأفيون الذي جعل الرأي العام, ينسى ولو بشكل كبير وليس كلي, تعديلات حسني مبارك.

لو نظرنا الى المادة السادسة والسبعون والتي تتعلق بالإنتخابات, فإننا نرى ان الإخوان المسلمون في مصر سيحرمون من أمور عديدة, وقد ساعدت تصريحات فاروق حسني في إبعاد الأضواء عن التعديلات الدستورية خصوصا ان قضية الحجاب تثير سخط الإخوان قبل غيرهم من فئات الشعب. الأمر المحزن في تصريحات الرئيس حسني مبارك, حين قال أنه سيبقى في منصبه طالما أن في صدره قلب ينبض, ونفس يتردد.

Friday, December 01, 2006

فاطمة النجار .. جدة ومجاهدة

فاطمة النجار


لعمري لم أرى صورة أثر بي مضمونها أكثر من صورة فاطمة النجار من وكالات الأنباء التي تناقلت تلك الصور وذلك الشريط المسجل لتلك المرأة. وعلى الرغم من الأجواء العامة التي حلت مؤخرا على قطاع غزة, مرورا بمجزرة بيت حانون, وانتهاء باغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل, فان الضجة الإعلامية, والزوبعة الصحافية, لم تستحوذ على تأثيري الخاص أكثر من الخبر الذي هز تفكيري تماما, وأعاد خلط الأوراق من جديد, فلم اعد أدرك كيف سأنسق الموضوع, بل كيف سأبدأ ومن أين انتهي. هو خبر شاهدت لمحات منه على التلفاز, ولم أكن اعلم بتيقن محتواه وأبعاده, بل لم أكن اكترث حقا للعودة إليه, إلى أن تصادمت معه في الانترنت.

يقول الخبر: امرأة فلسطينية تفجر نفسها في قطاع غزة بالقرب من جنود إسرائيليين حيث أدت العملية إلى جرح ثلاثة جنود إسرائيليين وقد نقلوا إلى المستشفى اثر هذا التفجير, إلى هنا انتهى الخبر. ولكن لاحظت في التلفاز أنهم يعرضون شريطا مسجلا لامرأة يبدو عليها كبر السن, تلف على رأسها شريطا من القماش الأخضر كتب عليه, كتائب الأقصى. والأمر الغريب, أنها تحمل رشاشا من نوع أم 16, وفي الخلفية, صور ممزوجة ببعضها تشير إلى أنها صممت لكتائب عز الدين القسام.

من التلفاز لم افهم شيئا, لان الشريط عرض في لحظات معدودة حتى أن صوت المعلق الإسرائيلي كان يغطي على حديث المرأة. وعدت إلى الحاسوب, لأبحر في الانترنت, وشاء القدر أن اصطدم من أول لحظة بنفس الخبر, لكن المرة ليس له من مفر, فتريثت وقرأت الخبر وأيقنت معنى أن يتأثر الإنسان إلى ابعد الحدود, فكما ذكرت سلفا أني تأثرت أكثر مرة هذه الأيام عند قراءة هذا الخبر.

ليس بالأمر الجديد علي أن أرى شخصا قد ذهب ليستشهد في عملية تفجير ذاتية, فتلك الأخبار لطالما تصادمت معها في كل وسائل الإعلام والأنباء, ولطالما تأثرت بدرجات مختلفة بين حالة وأخرى, وليست تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها امرأة تقوم بتلك العمليات. ففي السابق كان للنساء دور في مثل هذه العمليات, اذكر ذات مرة أن حادث تفجير قوي أدى إلى قتل الكثير من الإسرائيليين بداخل إسرائيل, وكانت الفاعلة فتاة لم تبلغ التاسعة عشر من عمرها, واذكر أكثر من قصة رغم أني لا افلح في استرجاع احدها في الوقت الراهن, فتأثير الخبر, لخبط أموري.

وليس بغريب على الإطلاق أن نسمع عن مكان التفجير, ألا وهو حاجز امني على حدود قطاع عزة, تلك الحدود التي لم تكن على مر التاريخ إلى أن قامت الدولة العبرية على هذه الأرض, فحدود غزة, تحولت كلها منذ أعوام إلى قنابل موقوتة, تحتاج إلى من يضغط على الزناد لتفجر القنبلة في الجنود, وتفجر معها جسد المجاهد, وهذا ما حدث لفاطمة النجار. لكن الغريب هو سن الفاعل, ومركز الفاعل.

فاطمة النجار, تلك المراة القديرة, تبلغ من العمر السابعة والخمسون ربيعا من سكان مخيم جباليا, وقد وضعت حدا لهذا العمر, عندما توجهت إلى الحاجز الأمني الإسرائيلي يوم الخميس الثالث والعشرون من نوفمبر وقامت بتفجير نفسها محققة بذلك الأمنية والوعد الذي قطعته أمام الكاميرا التي صورها كادر مجاهدي كتائب عز الدين القسام.

فاطمة النجار, أو الجدة المجاهدة كما أحببت أن اسميها, خلفت ورائها سبع وخمسون عاما من الحياة عندما ضغطت على زناد المتفجرات التي بحوزتها, وفجرت نفسها في سبيل الله وسبيل الوطن. وقد وجد فيها المحللون الإسرائيليون, الجدة الإرهابية, وعلى عكس ذلك, فإنها قطعا وبلا شك, الجدة المجاهدة. فاطمة النجار, تركت خلفها تسع أولاد, وعلى الرغم من قلة المعلومات التي توفرت عنها بصورة عامة إلا أن الإعلام استطاع أن يعرف أنها تركت خلفها تسع أولاد وما لا يقل عن أربعين حفيدا, امتلئوا اليوم حزنا عميقا على فراق جدتهم, وفي ذات الوقت امتلأت صدورهم مشاعر الفخر الوطني والديني, وتحولت من الجدة الحنون والأم المثالية, لتضيف إلى قيمتها الثمينة, قيمة أخرى, وهي الشهادة, فصارت في عيون أحفادها وأولادها والكثيرين ممن سمعوا عنها وأولهم أنا,الجدة الشهيدة.

في محاولة من وسائل الإعلام لتغطية الحدث بأوسع صورة, فقد كان من الواجب اخذ أولاد فاطمة النجار في عين الاعتبار. فكان الحديث مع فؤاد احد أبنائها, البالغ واحد وثلاثون عاما, فقد وصف بأن ما فعلته أمه جعله يشعر بالفخر تجاهها هو وجميع أولادها وأحفادها. فاطمة هي الجدة الأولى في تاريخ النضالي للشعب الفلسطيني. فاطمة تحدت الخوف والمعاناة, واستطاعت أن تضع حدا للرؤية المقيدة, وللحلم البعيد, فعلت الواقع يتحقق بضغطة على الزناد, وجعلت الرؤيا تثمر بأشلائها الممزقة.

في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرون من تشرين الثاني, قامت فاطمة عمر النجار بالاتصال بأولادها وأحفادها ليأتوا إليها, ولم يكن احد يعلم مغزى هذه الاتصالات, وما الهدف من الزيارة في هذا اليوم, ولكنهم جاؤوا لزيارتها, ومن لم يستطع أن يأتي إليها, وصلت هي إليه. وفي الساعة الثانية عشر ظهرا خرجت من البيت دون علم أحد وتوجهت إلى حاجز امني إسرائيلي يقع بالقرب من حي الشيخ زياد شرقي بيت لاهيا بشمال قطاع غزة. وهناك قامت بتفجير نفسها. حيث أنها تقدمت نحو الجنود الإسرائيليين, وعندما طلبوا منها التوقف, رفض, فشكوا بأمرها, واستمرت هي بالتقدم, وكانت النتيجة أنها فجرت نفسها, وعلى اثر ذلك أصيب ثلاثة جنود بجراح نقلوا على أثرها للمستشفى بين حالة خطرة وحالة طفيفة.

فاطمة النجار, وكما يروي أولادها لوكالات الأنباء, أصبحت أرملة قبل عام فقط عندما توفي زوجها يوسف, الاحتلال والمجازر والأزمات الاقتصادية, كونت في نفسيتها الدافع القوي لتفجير نفسها فداءا للوطن. فقد قامت فاطمة قبل ذلك بمساعدة المجاهدين, ومؤخرا إبان مجزرة بيت حانون, عندما كانوا يختبئون في مسجد النصر في بيت حانون. وأكثر ما شدد عليه أولادها وأحفادها هو أن أمهم وجدتهم, جاءت بالكرامة لهم, وأنهم يتمنون أن يموتوا كما هي, شهداء في سبيل الله والوطن.

في شريطها المسجل, قامت فاطمة بإهداء هذه العملية إلى الأسرى في السجون الإسرائيلية, والى حركة المقاومة الإسلامية حماس وإسماعيل هنية. ولعل العملية لم توقع قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي, إلا أني اعتبر فاطمة عمر النجار أسطورة ونموذجا للمرأة القيمة النزيهة الشريفة, فتركت خلفها تسع أولاد وما لا يقل عن أربعين حفيدا. أثار الخبر دهشتي استغرابي وأثار إعجابي بامرأة بلغت السابعة والخمسين من عمرها, وضحت من اجل الوطن والأسرى والشهداء. حسبها الإسرائيليون إرهابية, وحسبها أبنائها وأحفادها وأحبائها شهيدة, وأنا احسبها جدة الشهداء وجدة المقاومين.